محمد بن علي الشوكاني
5242
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
فسرا لهو الحديث بالغناء . قال ابن حزم ( 1 ) ونص الآية يبطل احتجاجهم بها لقوله تعالى : { ليضل عن سبيل الله } ( 2 ) ، وهذه صفة من فعلها كان كافرًا ، ولو أن شخصًا اشترى مصحفًا ليضل عن سبيل الله ، ويتخذها هزوًا لكان كافرًا ، فهذا هو الذي ذم الله تعالى ، وما ذم من اشترى لهو الحديث ليروح به نفسه ، لا ليضل به عن سبيل الله قال : واحتجوا فقالوا : من الحق الغناء أم من غير الحق ، ولا ثالث لهما . وقد قال تعالى : { فماذا بعد الحق إلا الضلال } ( 3 ) وجوابنا قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " إنما الأعمال بالنيات " ( 4 ) فمن نوى بالغناء عونًا على معصية ، فهو فاسق ، وكذا بكل شيء غير الغناء ، ومن نوى به
--> ( 1 ) في " المحلى " ( 9 / 60 ) تقدم التعليق على ذلك . ( 2 ) قال في " المحرر الوجيز " ( 13 / 9 ) : والآية باقية المعنى في أمة محمد ، ولكن ليس ليضلوا عن سبيل الله بكفر . ولا يتخذوا الآيات هزوًا ، ولا عليهم هذا الوعيد بل ليعطل عبادة ، ويقطع زمانًا بمكروه ، وليكون من جملة العصاة والنفوس الناقصة . . . ( 3 ) [ يونس : 32 ] ( 4 ) تقدم تخريجه . قال ابن تيمية في " مجموع فتاوى " ( 11 / 630 ) : وذلك أن الكلام في السماع وغيره من الأفعال على ضربين : أحدهما : هل هو محرم ؟ أم غير محرم ؟ بل يفعل كما يفعل سائر الأفعال التي تلتذ بها النفوس ، وإن كان فيها نوع من اللهو واللعب كسماع الأعراس وغيرها . مما يفعله الناس لقصد اللذة واللهو لا لقصد العبادة والتقرب إلى الله . النوع الثاني : أن يفعل على وجه الديانة ، والعبادة ، وصلاح القلوب ، وتجريد حب العباد لربهم ، وتزكية لنفوسهم ، وتطهير قلوبهم ، وأن تحرك من القلوب الخشية ، والإنابة ، والحب ، ورقة القلوب . ثم قال رحمه الله ( 11 / 631 - 632 ) : ومن المعلوم أن الدين له أصلان . فلا دين إلا ما شرع الله ولا حرام إلا ما حرم الله والله تعالى عاب على المشركين أنهم حرموا ما لم يحرمه الله ، وشرعوا دينًا لم يأذن به الله . ولو سئل : عمن يقوم في الشمس . قال : هذا جائز ، فإذا قيل : إنه يفعله على وجه العبادة . قال : هذا منكر . ولهذا من حضر السماع للعب واللهو لا يعده من صالح عمله ، ولا يرجو به الثواب وأما فعله على أنه طريق إلى الله تعالى فإنه يتخذه دينًا ، وإذا نهى عنه كان كمن نهى عن دينه ، ورأى أنه قد انقطع عن الله ، وحرم نصيبه من الله تعالى إذا تركه ، فهؤلاء ضلال باتفاق علماء المسلمين : إن اتخاذ هذا دينًا وطريقًا إلى الله تعالى أمر مباح ، بل من جعل هذا دينًا وطريقًا إلى الله تعالى فهو ضال ، مغتر ، مخالف لإجماع المسلمين " .